
ارتبط العلاج الطبيعي منذ ظهوره بفكرة استعادة الجسد حقَّه في الحركة، حين أيقظت الحروب والأوبئة وعيَ المجتمعات الطبية إلى الحاجة إلى علم طبي يوفر تدخلات فيزيائية على أجساد المرضى، لا يوفرها الطب التقليدي. واليوم، يُسلب مئات الآلاف من الجرحى في غزة والضفة الغربية هذا الحق؛ لنقف أمام سؤال “إعادة التأهيل” في الواقع الفلسطيني.
ظهر العلاج الطبيعي الحديث باعتباره تخصصاً مستقلاً كاستجابة من الاستجابات المباشرة للحروب، ولا سيّما الحربين العالميتين الأولى (1914-1918) والثانية (1939-1945)، وذلك بسبب انتقاله من علاج ثانوي الأهمية وهامشي إلى ضرورة محورية نتيجة الأعداد المهولة من الإصابات الناجمة عن الحرب.
بدأ مسار التشكيل الفعلي للعلاج الطبيعي كمهنة في “الولايات المتحدة الأمريكية” التي كانت ضمن الدول المنخرطة في أحداث الحرب العالمية الأولى في عام 1917، حين عمِلَت نساء أمريكيات على برامج إعادة تأهيل جنود بلدهن المصابين، وعُرفن آنذاك بِاْسم “مساعِدات إعادة التأهيل.”
يمكن أن يتم تعريف العلاج الطبيعي الحديث على أنه تخصص قائم على فهم ودراسة علم تشريح جسد الإنسان وحركته، وبناء عليه يتم الدمج بين التقنية والمعرفة العلمية لإعادة التأهيل والوظيفة والقدرة الحركية.
استمر تطور العلاج الطبيعي في أمريكا وكانت تلك الفترة الانطلاقة الحقيقية للعلاج الطبيعي كمهنة متكاملة وحاجة إنسانية ملحة، وأُسست أول منظمة مهنية للعلاج الطبيعي بعد الحرب بثلاث سنوات عام 1921 من قِبَل ذات النساء اللواتي عملن أثناءها، لتُشكّل تلك الخطوة الاعتراف الأول بالعلاج الطبيعي كمهنة قائمة بذاتها.
مع اندلاع الحرب العالمية الثانية (1939-1945) ارتفعت أهمية العلاج الطبيعي بشكل كبير خصوصاً بعد ظهور تأثيره الجليّ في الحرب السابقة، وأصبح عنصراً جوهرياً في المنظومتين الطبيتين المدنية والعسكرية. أحدثت تلك الحرب نقلة نوعية وتحولاً حاسماً في فهم التخصص والتعامل معه، وأفضى ذلك التسلسل من الأحداث والظروف إلى تكوّن العلاج الطبيعي واستقلاليته بهوّيته، وقوانينه وممارسيه.
وفي ذات السياق الذي تمخض عنه التخصص في أمريكا ومن ثَمّ في بلدان أخرى في العالم، تشكّل التخصّص فلسطينياً. عام 1987، ومع انطلاق أحداث الانتفاضة الأولى في قطاع غزة والضفة الغربية، اتجه جيش الاحتلال إلى تعمد إحداث إصابات بالغة لأجساد الفلسطينيين، وذلك عبر انتهاج سياسة “كسر العظام” التي تتقصّد أن تُحدث إعاقات دائمة في مناطق معيّنة من الجسد، وبعد انتهاء أحداث الانتفاضة، كشفت “مؤسسة الجريح الفلسطيني” عن أرقام الجرحى الفلسطينيين، حيث تجاوز عددهم 70 ألفاً، يعاني نحو 40% منهم من إعاقة دائمة، وما يقارب 65% يعانون أشكالاً مختلفة من الشلل، إضافة إلى حالات البتر التي أصيبوا بها في أطرافهم.

لم يعد العلاج الطبيعي أمام هذا الواقع مساراً أكاديمياً خياريّ الوجود، بل أصبح ضرورة إنسانية ملحّة، إذ دفع عدد الإصابات وحجم الضرر إلى بروز دوره وتكوّن حضوره في السياق الفلسطيني كاستجابة تاريخية لما تُحدثه القذائف وفوهات البنادق.
إزاء ما سبق، أُدرك فلسطينياً أن المسألة لا تتمثل في نقص في سوق العمل، بل إنّها تُظهر فراغاً مهنياً مرتبطاً بحياة الناس وحق أجسادهم في الحركة، وتبيّن أن استمرار الوضع الراهن آنذاك بانعدام الأخصائيين المحليّين، يعني الاعتماد الدائم على الكوادر الخارجية الذي يمثل حلولاً محدودة لا تلامس جوهر المشكلة، ما أدى إلى انتقال حالة التخصص من حاجة مجتمعية إلى حالة إدراك مؤسسي.
وما كان للجامعات الفلسطينية إلا أن تلتقط ذلك الانتقال، فسارعت إلى تأسيس برامج أكاديمية قادرة على تخريج الكوادر القادرة على تحقيق الاكتفاء في القطاع الصحي الفلسطيني.
كان السبق لجامعة بيت لحم في إيجاد أول برنامج بكالوريوس للعلاج الطبيعي في فلسطين، إذ تم إطلاق البرنامج عام 1988 (أي بعد عام واحد من انطلاق أحداث “انتفاضة الحجارة”) بالتعاون مع منظمة “Save the children” البريطانية غير الحكومية، وفي العام الذي يليه استقبلت الجامعة أول دفعة من طلبة التخصص في الوطن، تكوّنت من عشر طالبات وعشرة طلاب من الضفة الغربية وقطاع غزة، وأعقب مبادرةَ جامعة بيت لحم تأسيسُ برامج مشابهة في عدد من الجامعات المحلية الأُخرى.

بعد ما سُرِد تاريخ العلاج الطبيعي ونشأته داخل فلسطين وخارجها، وبروز دوره في خضم المآسي والآلام الجماعية، يقف التخصصُ اليوم أمام واقع مؤلم يشبه الواقع الذي أدى لولادته، ويمثّل مسؤولية وفرصة تاريخية لا تحتمل التغاضي أو التأجيل. إذ كشفت أحدثُ الاحصائيات أن عدد الإصابات جراء حرب الإبادة على غزة منذ عامين والاعتداءات في الضفة الغربية قارب 180 ألفاً، معظمهم يعانون من إعاقات متوسطة إلى شديدة، تنتظر أجسادهم أبسط حقوقها في إعادة التأهيل.

